محمد عبد الله دراز

34

دستور الأخلاق في القرآن

وأشهد أنّه قد بذل في التّرجمة نفسها جهدا كبيرا ، وذلك لصعوبة النّص في بعض المواضع ، ودقة الأفكار الفلسفية الّتي تعرض لها . ولا بد أنّه قد وقف - مثلما وقفت عند مراجعة التّرجمة - ساعات طويلة أمام عبارة من العبارات حتّى يطمئن إلى دقة التّرجمة ، وإلى التّعبير عن المعنى الّذي قصد إليه المؤلف . وقد أسهمت في هذا الجهد بقدر ما أستطيع ، معتمدا على خبرتي بما عرفته من أسلوب المؤلف ، وطريقة تفكيره ، ودقته في اختيار اللفظ الّذي يعبر عن الفكرة . وأدى هذا التّعاون الوثيق بيني وبين المترجم إلى خروج التّرجمة على الصّورة الّتي نرضاها لها ، والّتي نضعها اليوم بين يدي القارئ العربي آملين في حسن تقديره . والآن هل يسمح لنا القارئ بأن نقدم له خلاصة سريعة للأفكار الرّئيسية في الكتاب ؟ إنّ الهدف الرّئيسي من هذا البحث هو إبراز الطّابع العام للأخلاق الّتي تستمد من كتاب اللّه الحكيم ، وذلك من النّاحيتين النّظرية ، والعملية . أمّا عن البحث في الأسس النّظرية الّتي تقوم عليها المبادئ الأخلاقية في القرآن الكريم ، فإنّ المؤلف يعبر لنا ، دون مواربة ، عن شعوره بأنّه كان يضع قدميه لأوّل مرة على أرض لم تطأها قدم من قبل . لكن وعورة المسالك الّتي عزم - بمشيئة اللّه - على الخوض فيها لم تضعف من عزيمته ، بل كانت حافزا له على تحدي الصّعاب في سبيل خدمة دين اللّه الحنيف . وهو لا ينكر أنّ عددا من فقهاء المسلمين قد بحثوا في مقاييس الخير والشّر ؛ وأنّ عددا من رجال الشّرع قد تكلموا في شروط المسؤولية ؛ وأنّ بعض الأخلاقيين قد ناقشوا جدوى « الجهد الإنساني » وضرورة « النّيّة الطّيبة » غير أنّ هذه الجهود الّتي لا ينكر أحد قيمتها ظلت مبعثرة في بطون الكتب الّتي لم تقتصر على معالجة الأخلاق ،